الشيخ محمد رشيد رضا

256

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا يكون له هم ولا عناية بأمر دينه ، وإنما أكبر همه شهواته وربحه من الدين ، حتى أنه يعد مصيبة المسلمين نعمة إذا لم يصبه سهم منها . فليحاسب المسلمون في هذا الزمان أنفسهم ، وليزنوا بهذه الآيات إيمانهم ، ثم إن قوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ جملة معترضة بين القول ومقولة ، وذكر المودة هنا نكرة منفية في سياق التشبيه في أوج البلاغة الاعلى فهي كلمة لا تدرك شأوها كلمة أخرى ولا تنتهي إلى غورها في التأثير . ذلك بأن قائل ذلك القول الذي لا يقوله من كان بينه وبين المؤمنين مودة ما معدود من المؤمنين الذين هم بنص كتاب اللّه أخوة بعضهم أولياء بعض ، وبنص حديث رسول اللّه تتكافأ دماؤهم ، ويجير عليهم أدناهم ، وهم كأعضاء الجسم الواحد وكالبنيان يشد بعضه بعضا ، فإذا كان هذا مكان كل مؤمن من سائر المؤمنين ، فكيف يصدر عن أحد منهم مثل ذلك القول وذلك التمني الذي يشعر بأن صاحبه لا يرى نعمة اللّه وفضله على المؤمنين نعمة وفضلا عليه ، وهو لا يعقل أن يصدر عمن كان بينه وبينهم مودة ما ولو قليلة في زمن ما ولو بعيدا . أعني أن قليلا من المودة كان في وقت ما ينبغي أن يمنع عن مثل ذلك التمني . وفي هذا من التقريع والتوبيخ بألطف القول وأرق العبارة ما لا يقدر على مثله بلغاء البشر ، ومن فوائده ان يؤثر في نفس من يذوقه التأثير الذي لا يدنو من مثله النبز بالألقاب والطعن بهجر القول ، التأثير الذي يحمل صاحبه على التأمل والتفكر في حقيقة حاله ، ومعاتبة نفسه ، فإن كان فيه بقية من الرجاء تاب إلى ربه ، ورجع كله إلى حقيقة دينه ، هذه هي فائدة تلك الجملة المعترضة وياللّه ما أعجب التشبيه فيها ونفي الكون وتنكير المودة ، إنك ان تعط ذلك حقه من التأمل ، ويؤتك ذوق الكلام قسطه من البلاغة ، فقد أوتيت آية من آيات الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوقين ، وكشف لك عن سر من أسرار عجز البشر عن الاتيان بمثل هذا الكتاب المبين قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم « كأن لم تكن » بالتاء ، والباقون « يكن » بالياء . ومثل ذلك معروف في التنزيل وكلام العرب فتأنيث الفعل هو الأصل لان المسند اليه مؤنث ، ولكن التأنيث فيه لفظي لا حقيقي ولهذا جاز تذكير الفعل